ابن المقفع
123
آثار ابن المقفع
ينصحون له لم يحمد غب « 1 » رأيه كالمريض الذي يدع ما يصف له الطبيب ويعمد لما تشتهيه نفسه . وحق على مؤازر « 2 » السلطان أن يبالغ في التحضيض « 3 » له على ما يزيد به سلطانه قوة ويزينه ، والكف عما يضره ويشينه « 4 » . وخير الإخوان والأعوان أقلهم مداهنة في النصيحة وخير الأعمال أحمدها عاقبة ، وخير النساء الموافقة لبعلها ، وخير الثناء ما كان على أفواه الأخيار ، وأفضل الملوك من لا يخالطه ، بطر ولا يستكبر عن قبول النصيحة ، وخير الأخلاق اعوانها على الورع . وقد قيل : لو أن امرءا توسد النار « 5 » وافترش الحيات « 6 » كان أحق أن يهنئه النوم ممن يحس من صاحبه بعداوة يريده بها ويطمئن إليه ، وأعجز الملوك آخذهم بالهويناء « 7 » وأقلهم نظرا في مستقبل الأمور ، وأشبههم بالفيل الهائج الذي لا يتلفت إلى شيء ، فإن أحزنا امر تهاون به ، وإن أضاع الأمور حمل ذلك على قرنائه « 8 » . قال الأسد : لقد اغلظت في القول ، وقول الناصح مقبول محمول . وإن كان شتربة معاديا لي كما تقول ، فإنه لا يستطيع أن يضرني ولا ان يفت في ساعدي « 9 » وكيف يقدر على ذلك وهو آكل عشب وأنه لحم ؟ وإنما هو لي طعام وليس علي مخافة . ثم ليس إلى الغدر به سبيل بعد الأمان الذي جعلته له وبعد إكرامي له وثنائي عليه . وان غيرت
--> ( 1 ) غب : عاقبة . ( 2 ) مؤازر : معاون . ( 3 ) التحضيض : الحث . ( 4 ) يشينه يعيبه ، خلاف يزينه . ( 5 ) توسد النار : اتخذها وسادة اي مخدة . ( 6 ) افترش الحيات اتخذها فراشا . ( 7 ) الهويناء : التأني ، والمراد بها هنا التواني والفتور . ( 8 ) قرناء : جمع قرين وهو العشير . ( 9 ) يفت في ساعدي : يضعفني .